الشيخ محمد سليم الأحدب

ا

ولادته و نشأته:

وُلِدَ المترجم له في مدينة حماة عام ( 1344هـ – 1925م ) ، لأبوين كريمين صالحين ، وكان والده يعمل في التجارة ، وله متجر لبيع المنسوجات ، وخاصة ماكان منها يدوياً محلياً ، لما عرفت به من جميل التصميم وإتقان الصنعة .

وقد رزق والده الحج مع والدته الصالحة السيدة صبرية بنت محمد خير حمامة مرات، وكانت لهما في ذلك همة عالية ، ومحبة غالبة ، وشوقٌ آسر .

و قد أُقعِدَ والده رحمه الله تعالى في آخر عمره لشلل تام أصابه ، فكان راضياً شاكراً حامداً ، وكانت وفاته بعد وفاة ولده المترجم له بسنتين .

وترك من العقب تسعة من الأبناء ، ستة ذكور ، وهم السادة : المترجم له محمد سليم – وهو أكبرهم – ، ومحمد منير ، ومهدي ، ومحمود ، وموفق ، وزهير ، وثلاث إناث هن السيدات : عشيرة ، وعدوية ، وظهيرة ، وكان لغالبيتهم ذكوراً وإناثاً الحظّ الوافر من التعليم ، وقد عرف منهم شقيقه الأوسط : الأستاذ الفقيه – الحافظ لكتاب الله تعالى – المحامي محمود الأحدب ، المستشار في وزارة الأوقاف .

دراسته وتحصيله العلمي :

اهتم الوالد بالمترجم له مبكراً ، ودفعه من صغره إلى تحصيل العلوم الشرعية ، فألحقه بمدرسة دار العلوم الشرعية ، التي كانت بإدارة العلامة الفقيه المربي فضيلة الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ المتوفى عام (1391هـ ) ، فتتلمذ عليه وعلى نخبة من أفاضل علماء مدينة حماة وشيوخها .

وكان متفوقاً في دراسته وتحصيله ، وعُرِفَ بالجدّ والمثابرة والاستقامة ، وتزيا بزي أهل العلم وطلابه منذ تلك السن الصغيرة شأن سائر طلبة العلم يوم ذاك .

وبرَّز في مرحلة دراسته بدار العلوم الشرعية ، في علوم الفقه ، والعربية وآدابها ، والرياضيات .

وبعد تخرجه من دار العلوم الشرعية في حماة ، حثّه شيوخه لما رؤوا فيه من النجابة والحرص ، على الالتحاق بالمدرسة الخسروية في حلب ليتابع تحصيله ، وينهل ما شاء الله له أن ينهل من معين مدرسة كانت من أميز المدارس الشرعية في بلاد الشام وأعلاها في وقتها مناهج وشيوخاً وطلاباً .

ووجد الترحيب والتأييد والعون من والديه في هذا الأمر ، مع ما كان يعني ذلك من اغتراب ولدهم الأكبر عنهما وهو في أول شبابه ، ومشقة ذلك على نفسيهما .

ولما استعد للسفر وأخذ أهبته له ، ذهب مع والده رحمه الله لوداع كبير الأسرة – وكان من كبار وجهاء مدينة حمـاة وأثريائها – ، فلما علم وجهته و مبتغاه ، ثبَّطه وقلَّل من شأن العلم الشرعي وأهله ، فسمع من أبيه ومنه ما ينبغي أن يسمعه في الرد على مقالته ، وحمل هذا الموقف مزيد دفع ومضاء له فيما عزم عليه .

الشيخ محمد سليم الأحدب في صباه

المدرسة الخُسْرَوية :

كانت السنوات التي أمضاها بين جنبات الخسروية من آثر السنين عنده وأحفلها وأخصبها ، لما كان فيها من قوة بناء نفسه وعقله وروحه وسلوكه ، ولما تحقق له من التعارف والمعارف ما زاد صقلاً له وإنضاجاً .

وأقبل بكليته على الدرس ، وملازمة شيوخه الكبار ومشاممتهم ، فتعلم منهم الهدي والسَّمْت قبل العلم ، وكان محل محبتهم وتعاهدهم ورعايتهم ، إلى أن أكمل دراسته فيها ، وكان تخرجه منها عام ( 1368هـ-1948م ) ، وتابع تبريزه في علوم الفقه والنحو والبلاغة والعروض والسيرة النبوية ، وعُرِفَ بين أقرانه بدماثة خلقه ، ولطف معشره ، ومضاء عزيمته ، وتمام مروءته ، وحرصـه على عبادته ووقته ، كما شهر بينهم بالفصاحة والخطابة وقوة الحافظة ، وحسن الجدال ، والنفور من الخصام .

وقد أجازه من شيوخه الكبار خَلْقٌ ، وكان في مقدم من أجازه شيخه العلاّمة المحدّث المؤرخ المحقق الأديب الشيخ راغب الطبَّاخ الحلبي رحمه الله تعالى ( 1294 – 1370 هـ ) .

وهذا نص إجازته له بخطه كما جاءت في آخر نسخته من كتاب شيخه ” الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحلبية ، ويليه : إجازات المختصر من مشايخه وترجمته لبعضهم ” :

” إن الأديب النجيب الشيخ سليماً بن السيد خالد الأحدب من أهالي مدينة حماة كان قد انتسب للمدرسة الخسـروية في حلب ، وقرأ عليّ فيها علم الحديث : الأربعين النووية ، والشمائل المحمدية للإمام الترمذي . وفي الجزء الأول من مختصر العلامة الزبيدي لصحيح البخاري إلى كتاب الوضوء ، وفي الجزء الثاني منه من أول البيوع إلى كتاب المزارعة ، وفي الجزء الثالث من أول من بدء الخلق إلى مناقب قريش ص 48 . وقرأ عليّ في علم المصطلح من أول نخبة الفكر للحافظ ابن حجر إلى النوع العاشر من أسباب الطعن وهو سوء الحفظ . وجميع شرح العلامة الزرقاني على منظومة البيقونية في علم المصطلح أيضاً وقرأ عليّ من كتابي الثقافة الإسلامية إلى أقسام الحديث ، وفي السيرة النبوية من أول ” نور اليقين ” إلى بحث الهجرة ، وفي علوم البلاغة المحرر في كتاب الدروس النحوية ، وفي كتاب الوجيز في الأدب العربي وغيره . وجميع رسالتي في علم العَرُوض ، قراءة دراية وتحقيق وبحث وتدقيق ” .

ثم ذكر ما سمعه منه من المسلسلات وغيرها ، ثم قال : ” وقد سمع مني بقراءة الشيخ عبد الأعلى العلبي جميع خطبة كتابي الأنوار الجلية … وقد أجزت الشيخ سليماً إجازة عامة بجميع مروياتي ومقروءاتي ومسموعاتي وذلك بالشرط المعتبر عند أهل الحديث والأثر . وبما حواه كتابي المتقدم الذكر من كتب الحديث والأثبات والمعاجم والمسلسلات وغير ذلك من كتب العلوم والفنون .. “

ثم كتب بخطه رحمه الله في نهاية الإجازة : ” كان ذلك بعد عصر يوم الخميس الموافق للثاني عشر من شهر صفر الخير سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها السلام والتحية ” .

شيوخه في مدينة حماة :

كان من أعيان علماء حماة وشيوخها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري : الشيخ الأديب الشاعر حسن الرزق ، والشيخ السلفي المصلح سعيد الجابي ، والشيخ الفقيه محمد علي المراد ( الكبير ) – وكان الثلاثة على صلة بالشيخ سليم البخاري الدمشقي ، وكان عالماً مستنيراً ، واسع المعرفة ، يقظ الشعور والضمير ، يأخذ بفكرة الإصلاح الديني ومحاربة ما علق بالدين من بدع وخرافات – ، والشيخ المؤرخ أحمد الصابوني ( ت 1334هـ ) ، والشيخ المؤرخ البحاثة أحمد قدري الكيلاني ( 1886- 1980م ) ، والشيخ الفقيه محمد سعيد النعسان مفتي حماة منذ سنة ( 1344هـ – 1925م ) وحتى وفاته سـنة ( 1387هـ – 1967م ) ، وكان له من العمر ( 115 ) سنة – وكان قد اتصل بالشيخ العلاّمة المصلح طاهر الجزائري – ، والشيخ الفقيه الفرضي عبد العزيز بن أحمد بن سليم المراد ، أمين الفتوى بحماة نحو ثلاثين سنة ، والمتوفى عام ( 1385هـ – 1965 م ) عن ( 64 ) عاماً ، والقاضي الشيخ محمد خير الجابي ، ونقيب الأشراف الشيخ محمد مرتضى الكيلاني ، والشيخ الفقيه الصالح عبد القادر اللبابيدي ، والشيخ العلامة محمود العثمان ، والشيخ الفقيه زاكي الدندشي ، والشيخ العلامة الفقيه توفيق الشيرازي الصباغ ، والشيخ العلامة المجاهد محمد الحامد ، وغيرهم ، رحمهم المولى تعالى أجمعين .

وقد استفاد المترجم له من جُلِّ المذكورين ، بيد أن استفادته الكبرى كانت من ثلاثة :

الأول : الشيخ العلاَّمة المربي الفقيه الشافعي توفيق الشيرازي الصـباغ ، رئـس جمعية العلمـاء في حمـاة ، والمتـوفى عـام ( 1391 هـ ) عن ( مئة ) سنة .

الثاني : الشيخ العلاَّمة الفقيه الحنفي زاكي الدندشي .

الثالث : الشيخ العلاَّمة الرباني الفقيه الورع محمد محمود الحامد ، رحمهم المولى تعالى .

وبقي ملازماً لحلقة شيخه الحامد الصباحية في الجامع الجديد إلى وفاة الشيخ رحمه الله تعالى عام (1389 هـ ) .

شيوخه في مدينة حلب :

تتلمذ المترجم له خلال دراسته في المدرسة الخسروية في حلب على أعيان علمائها وشيوخها ، وفي مقدمة هؤلاء الشيوخ :

1- العلاَّمة الفقيه الأصولي اللغوي المفتي محمد أسعد العبجي ( 1306-1393هـ) .

2- العلاَّمة الرباني الفقيه الورع محمد سعيد الإدلبي ( 1288-1370هـ ) .

3- العلاَّمة الفرضي المقرئ محمد نجيب خياطة ( ت1387هـ ) .

4- العلاَّمة الفقيه الأصولي محمد إبراهيم السلقيني (1331-1422هـ)0

5- العلاَّمة المحدِّث المؤرخ محمد راغب الطباخ ( 1294-1370هـ) .

6- العلاَّمة المفسر الفقيه أحمد بن محمد الشماع ( 1290-1373هـ).

وظائفه وأعماله ونشاطه :

عمل المترجم له بعد تخرجه من المدرسة الخسروية في حلب عام ( 1368هـ- 1948م) ، في حقل الإدارة والتعليم ، فكان إدارياً ناجحاً موفقاً ، ومعلماً مربياً بصيراً ، ومن ضمن الإدارات المختلفة التي أسندت إليه ، إدارة مدرسة ملجأ الأيتام الإسلامي في حماة منتدباً من قبل وزارة المعارف عام ( 1959م ) ، وبقي مديراً لها إلى عام ( 1966م) ، وكانت فترة إدارته لها متميزة بالعطاء والتوسع والارتقاء والعناية التامة ، حتى غدت دُرّة المدارس في المدينة ، وانتسب إليها أبناء الأسر المعروفة في المدينة – ولم تكن حكراً على الطلاب اليتامى – ، لما عرفت به من التزام إسلامي صحيح ، ومنهج تربوي شامل ، ومستوى علمي رفيع ، وإدارة حازمة ناصحة .

وقد بلغ من عناية المترجم له رحمه الله تعالى في اليتامى وسهره عليهم : تربية وتثقيفاً وتعليماً وإكراماً وترويحاً وأنشطة ، ما كان مضرب المثل ، ومحل القدوة ، فكان رحمه الله تعالى لا يتناول طعام الإفطار في شهر رمضان إلا إذا أفطر الأيتام واطمأن عليهم ، ثم يذهب إلى منزله ليفطر مع أسرته .

وهكذا كان شأنه في العيدين والمناسبات كلها ، وكم كان يُرَى في ليالي الشتاء الشديدة البرد ، يدع فراشه في بيته ، ويذهب ليتفقد الأيتام وهم نيام في مهاجعهم ، ويتفقد حال المشرفين عليهم ، موجهاً ناصحاً محاسباً .

وكان يجيب كل محبيه الذين يشفقون عليه لما يروا من الإرهاق والنصب الذي يلقاه ، بقوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه : ” أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا – وأشار بالسبابة والوسطى ، وفرّج ببينهما شيئاً – ” .

وبعد أن تُرِّكَ إدارة الأيتام بنحو عام ، نُقِلَ إلى العمل الإداري في مديرية أوقاف مدينة حمص لمدة عام ، ثم نُقِلَ إلى مديرية أوقاف حماة ، وبقي فيها إلى أن وافته منيّته رحمه الله تعالى .

وكان خلال عمله الإداري في مديرية أوقاف حماة ، يقوم بتدريس الفقه الحنفي في الثانوية الشرعية في حماة .

وما ترك الخطابة في مساجد حماة منذ استقراره فيها بعد تخرجه من المدرسة الخسروية ، وإلى أن وافاه الأجل ، فخطب في مسجد عبد الله بن سلام ، ومسجد السرجاوي ، ومسجد النوري ، ومسجد الشريعة ، وبقي خطيباً له منذ تأسيسه وإلى وفاته رحمه الله .

وعُرفت خطبه رحمه الله تعالى ، بوحدة الموضوع ، وتسلسل الأفكار ، وموضوعية الطرح ، والدعوة إلى التيسير والتبشير ، والاهتمام بالمرأة والشباب ، والحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كُلُّ ذلك بجزالة لفظ ، وبلاغة قول ، واستقامة لسان ، وشفافية روح ، و إشراقة نفس ، وحضور قلب ، وغلبة دمعة عين ، مع التزام بقصر زمن الخطبة ما حاد عن ذلك طيلة فترة خطابته .

تأسيس جمعية النهضة الإسلامية :

تداعى المترجم له وثلة من إخوانه من أهل العلم والخير والبذل عام ( 1372هـ-1953م ) ، وبتشجيع ومساندة من شيخه العلامة محمد الحامد رحمه الله تعالى ، إلى تأسيس ( جمعية النهضة الإسلامية ) ، وتكوّن مجلسها المؤسِّس كما في قرار إشهارها الرسمي ، من السادة :

1- وجيه بن محمد الأسود .

2- محمد سليم بن خالد الأحدب .

3- ممدوح بن عبد السلام الياسين .

4- محمود بن محمد الرواس .

5- فوزي بن مصطفى الحلاق .

6- ممدوح بن علي سلطان .

7- عبد الهادي بن شمس الدين صمصام .

8- قاسم بن مصطفى الروح .

9- عبد الله بن عبد القادر السباعي .

10- محمود داغستاني .

وكان نشاط الجمعية في أول أمرها واسعاً : خيرياً ، واجتماعياً ، وتعليمياً ، ودعوياً ، بيد أنها أُجبرت بعد سنوات قلائل على قصر نشاطها في المجال الخيري ، فنظموا أمرهم وأحكموه على ذلك ، وجعلوه متجهاً صوب :

أولاً : رعاية الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام .

ثانياً : رعاية المعوقين .

ثالثاً : التدريب المهني والتأهيل .

رابعاً : تنمية المجتمع والحد من البطالة .

خامساً : الرعاية الطبية .

سادساً : مكافحة التسول .

وحققت الجمعية في هذه المجالات كلها نجاحاً وتوفيقاً عظيماً سرى خبره إلى أرجاء المدن السورية ، فكان التوجه إلى تعميم هذا النموذج بأعماله وجديته وإخلاصه ومسؤوليته على المدن والبلدات الكبيرة ، فقام المترجم له وإخوانه من الأعضاء المؤسسين بجولات وجولات ، وذرعوا القطر جيئة وذهاباً ، والتف حول مشروعهم رجالات العلم والخير والعطاء في المدن المختلفة ، وتوالى تأسيس ( جمعية النهضة الإسلامية ) فيها تباعاً ، إلى أن وصل إلى ( القنيطرة ) ، و ( معرة النعمان ) ، و ( عفرين ) ، و ( حارم ) ، وغيرها .

وأعطى المترجم له رحمه الله ، كليته إلى ( الجمعية ) وأعمالها ومشاريعها ، حيث أُسند إليه أمر إدارتها بكل مرافقها منذ تأسيسها وإلى أن وافاه الأجل ، كُلُّ ذلك حِسْبَةً لله ومرضاة له ، وكان إخوانه يتنافسون في ذلك ، ويصلون الليل بالنهار ، حتى يتمكنوا من القيام بأعباء العمل المتسع على الوجه المرضي الذي يحقق غاياته .

وقد استفاد من مشاريع ( الجمعية ) المتعددة ، آلاف الأسر الفقيرة و المحتاجة ، وكانت المساعدات لها تقوم على دراسة ميدانية لأحوالها ومعرفة احتياجاتها ، فكانت التلبية شاملة منتظمة كريمة . وكان من وجوه المساعدة : تأمين العمل للقادر ، ومده بما يحتاجه ابتداءً ، ومتابعته . وكذا تمكين الفتيات من التدريب المهني وتأهيلهن ، إلى غير ذلك .

وكان نجاح ( الجمعية ) اللافت للأنظار : ( مكافحة التسول ) ، بما يشكل من ظاهرة اجتماعية سلبية ، مما دفع عدة جهات مختصة – حتى خارج القطر – للاستفادة من تجربتهم وطلب المساعدة منهم في ذلك .

وبعد وفاته بسنوات ، صدر قرار رسمي بضمها بالكلية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ، وتغيير اسمها ، والإشراف الحكومي عليها .

صفاته وأخلاقه :

يقول الحق سبحانه وتعالى : ” إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانـوا لـنا خاشعـين “ ( الأنبياء :90) ، هذه الآية الكريمة بما اشتملت عليه من الصور الثلاث :

1- يسارعون في الخيرات .

2- يدعوننا رغباً ورهباً .

3- وكانوا لنا خاشعين .

تتطابق مع حقيقة ما كان يتصف به المترجم له رحمه الله تعالى ، فكان قدوةً في المبادرة إلى عمل الخيرات والجد في تحصيلها ، ويردد على المسامع – و هو المعلّم المربي – :

– أنّ ذلك يورث محبة الله تعالى للعبد .

– وأنه يحصل به أنواع الخير في الدنيا .

– وأنه ينال به الأجر العظيم في الآخرة .

وأن من جملة ما وعد الله عز وجل به المتطوعين في أعمال البر :

1- العلم النافع .

2- والعبادة واستجابة الدعاء .

3- والنصر والنجاة .

4- و الهداية والأمان .

5- والرزق الطيب .

6- والثناء الحسن . إلى غير ذلك .

وإنَّ العارف القريب من المترجم له ، لمّا يقرأ ما جاء في الأثر الصحيح عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله : ” إن الله عزوجل خَلَقَ خلقاً من خلقه لخلقه ، فجعلهم للناس وجوهاً ، وللمعروف أهلاً ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون يوم القيامة “ ، لا يتردد في أنه رحمه الله تعالى من ذلك الخَلْق ، ومن تلك الوجوه ، وأنه من الآمنين يوم القيامة بمشيئة الله تعالى وفضله ورحمته .

ولو شاء المرء أن يذكر أهم ما كان يتصف به ويتحلّى في جُملٍ جامعة ، لذكر :

– إباء نفسه ، وأخذها بمعالي الأمور ، وكرهه لسَّفْسَافِها ، وترفعه عن الصغائر والترهات .

– إخلاصه وتجرده لله سبحانه ، وكثرة ذكره له ، وحسن ظنه به ، مع حضور قلب ، وخشوع نفس ، ونكران ذات .

– حبه للفقراء والمساكين والأرامل والأيتام ، الذي ملك عليه نفسه ، فنذرها لمساعدتهم ، والتفاني في خدمتهم ، وأوقف حياته عليهم .

– سعيه الدائم لإصلاح ذات البين ، وتوفيق الله سبحانه وتعالى له في ذلك ، فكان في هذا متحققاً في قوله تعالى : ” لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً “ ( النساء : 114 ) .

– برّه بوالديه ، وأرحامه الأقارب والأباعد ، وجواره ، بخفوتٍ وسكونٍ وخفض جناح ، وكان منه في هذا ما يُدْهش ويُؤتسى .

– حفظه البالغ لوقته وعمره ، فبارك الله في حياته التي لم تمتد أكثر من (45) عاماً ، حتى يظن من يقف على أعماله وعطائه : اتساعاً وامتداداً وتنظيماً وأثراً ، أنه من المعمَّرين الذين كان تحت أيديهم فرقاء من المعاونين وما شئت من الامكانات والمسخرات ، فكان في هذا بحق : أمة في رجل ، يرحمه الله تعالى .

– تبنيه لمنهج ( الوسطية الإسلامية ) في أمره كله ، والدعوة إليه ، فكان رحمه الله في محاضراته وخطبه ودروسه ومواقفه وسلوكه ، يدعو إلى الرفق في الدعوة ، والتدرج في التغيير ، والتسامح مع المخالف ، والتيسير في الفتوى ، والبعد عن الغلّو والتنطع .

وكان يؤكد بحاله وقاله أن الإسلام يبني ولا يهدم ، ويجمع ولا يفرق ، ويحيي ولا يميت .

– جمعه في إدارته وتربيته وتعليمه ، بين الحزم واللين ، والثواب والعقاب ، وإلباس كل حال لبوسه ، فنجح في إداراته كلها ، ووفِّق في مسيرته التربوية والتعليمية .

وكان يؤمن أن أنجح التربية ، التربية بالقدوة ، فكان رحمه الله تعالى يجتهد ما وسعه الجهد أن يكون قدوة لغيره في أمره كله .

زوجته وأبناؤه وأصهاره :

في آخر المرحلة الدراسية في المدرسة الخسروية في حلب للمترجم له ، عرض عليه صديق عمره وزميل دراسته فيها ، فضيلة الشيخ الشهيد محمد الشامي رحمه الله تعالى ، الزواج من شقيقة زوجته ، وكانت على مقاعد الدرس يومئذ ، وهذا ما تم بعد سنوات قليلة من تخرجه ، فتزوج السيدة الفاضلة الصالحة الصابرة عائشة بنت عارف بني ، الحلبية المولد والنشأة ، الحسنية النسب . وكانت نعم الزوجة له ، والتي أعانته بصبرها واحتسابها وتجاوزها لبعض حقوقها ، على أن يقوم بواجباته الجسام ومسؤولياته الكثيرة خير قيام.

وكان رحمه الله تعالى يحفظ ذلك لها ، باراً بها وبأسرتها ، محباً لها ، مثنياً عليها ، معوضاً ما استطاع من انشغاله عنها .

ورزق منها بستة أبناء ، ثلاثة ذكور ، وثلاث إناث .

– وأكبر أبنائه : الدكتور خلدون ، وهو حاصل على درجة دكتوراه الدولة في السنة النبوية وعلومها ، وعمل أستاذاً في جامعة الملك عبد العزيز في جدة لأكثر من ربع قرن من الزمان ، وهو عضو مجلس أمناء جامعة مكة المكرمة المفتوحة ، ورئيس مجلسها العلمي ، وله مؤلفات عدة منتشرة في الحديث وعلومه ، والفقه الإسلامي ، والفِكْر .

– تليه : ابنته السيدة فاتن ، والمتزوجة من الحاج الصالح محمد سبيع كلبون .

– تليها : السيدة اصطبار ، والمتزوجة من الأستاذ الفاضل عبد الرحمن عصاية .

– يليها : الأستاذ محمد مأمون ، خريج كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة حلب،وهو يعمل في مجال الإدارة في المملكة العربية السعودية .

– يليه : المهندس محمد أمين ، وهو حاصل على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية من إيطاليا ، وهو يعمل في مجال اختصاصه في ( بلدية فينسيا ) في إيطاليا .

– وآخر الأبناء : السيدة عبير ، والمتزوجة من ابن عمها المهندس الفاضل وليد بن منير الأحدب .

وكان المترجم له رحمه الله حريصاً على تربية وتعليم وتهذيب أبنائه ، فكان على كثرة أشغاله واتساع مهامه ، لا يفوِّت فجر كل يوم بعد أداء الصلاة جماعة ، من جمع الزوجة والأبناء لتلاوة القرآن الكريم وإتقان تجويده ومدارسته ، حريصاً كل الحرص على ذلك غير متساهل فيه .

وقد أصيبت زوجته الصالحة بمرض في القلب لم يمهلها طويلاً،حيث وافتها المنية عام (1399هـ-1979م ) عن ( 43 ) عاماً ، رحمها الله تعالى .

مرضه ووفاته :

اشتكى المترجم له قبل وفاته رحمه الله تعالى من آلام مبرحة في رأسه ، وكانت في ازدياد مستمر ، ولما تم إجراء الفحوصات المطلوبة ، تبين أنه مصاب بورم غير حميد فيه ، واجتهد الأطباء في إزالته عن طريق التدخل الجراحي الدقيق ، إلا أن القدر المحتوم لم يمهله ، فوافته منيته في العشرين من شهر نيسان عام ( 1970م – 1390هـ ) ، عن عمر لم يتجاوز الخامسة والأربعين سنة .

ولما ذاع نبأ موته ، لفّ الحزن مدينة حماة ، وشيعه أهلها في جنازة مشهودة ، وحضرها إخوانه ومحبوه من مختلف أنحاء سورية ، وحزنوا على فقده حزناً عظيماً ، وكان بكاء الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى عليه بخاصة ، كبكاء أهله ، فإنهم كانوا أهله ، وكنتَ تسمع في جنازته وبعدها قول بعض الأرامل : اليوم بوفاة الشيخ سليم أرملنا ثانية ، ويبكينه بكاء مُرَّاً.

___________________________________________________________________

كاتب الترجمة: محمد خلدون الأحدب